أزواد ينام على بركان..وحرب جديدة تطرق الأبوب

طفل أزوادي، يمسك بيده لعبة على شكل رشاش “كلاشنيكوف”، وسرعان ما يدخل في اشتباك مع زميله، وبعد لحظات تنتهي الحرب.
لا يمكن لتلك الحرب أن تتواصل، فكل منهما يرفض أن يمثل دور الجندي المالي، ويرغب أن يكون مقاتلا أزواديا ثائراً ضد الدولة المالية.. ولا شيء غير ذلك.

إنها صورة مصغرة جداً لصراع لا يكاد يخمد حتى يعود للظهور مجدداً، فالنزعة الانفاصلية أو “الاستقلالية” كما يصفها قادة الطوارق، لم تتراجع، رغم الحرب في المنطقة، واتفاقيات السلام، والتفاهمات الأمنية برعاية فرنسية.

في كل بوابات “أزواد” المطلة على موريتانيا والجزائر والنيجر، يرفف علم “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” هنا وهناك، فقد تحول العلم، الذي يرمز لحلم الدولة المستقلة، إلى شعار يوحد العرب والطوارق، فهذا راع يجوب الصحاري وقد اختار تغطية وعاء ماءه بقماش يحمل ألوان العلم، وذاك شاب في وسط إحدى المدن يرتدي زيا تقليديا للطوارق، بالألوان نفسها.

مواجهة بدون فرنسا والقاعدة

في المحلات التجارية، والقرى الصغيرة، والمدارس، والعيادات الطبية، بات “العلم الأزوادي”، أكثر حضورا، وكأنها رسالة إلى الماليين، بأن الأمور لم تهدأ بعد، وما زالت هناك جولات أخرى من الصراع.

أسلوب آخر ابتكره الأزواديون، وهو رسم الشعار والعلم على جذوع الأشجار الكبيرة، فكلما استظل عابر بإحداها وجد آخرين رسموا عليها، وكتبوا “نعم لأزواد..لا لدولة مالي”.

شعار يختزل حالة احتقان كبيرة.. فمنذ فترة والحركات الأزوادية تستعد فيما يبدو لمواجهة، “أصبحت وشيكة”، بحسب تأكيدات بعض القادة، اعتمادا على ما يقولون إنه “معلومات استخباراتية وتسريبات من الجيش المالي”، الذي قرر ـ بحسب هذه الحركات ـ إستعادة السيطرة على المواقع الأساسية للحركات الأزوادية، قبل ذكرى الاحتفال بعيده السنوي في  العشرين من يناير.

مواجهة ما قبل 20 يناير الحالي، يعتبرها عدد من مقاتلي الحركات الأزوادية  “مصيرية”، ويتحمسون لها، وقال أحد المقاتلين المتموقعين في “فويتا” بالقرب من موريتانيا إنها  “فرصة لكي يلقنوا الجيش المالي درسا”.

واعتبر هذا المقاتل، أن انتصار “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” على الجيش المالي العام الماضي، منح على طبق من ذهب لتنظيم القاعدة، “الذي دخل الخط في حربنا مع مالي” يقول المقاتل.   ويضيف “نحن نحتاج لهذه الفرصة لنثبت للعالم، ولمالي، أننا أصحاب قضية، و مستعدون للموت من أجلها ولسنا بحاجة للقاعدة من أجل الانتصار على الجيش”.

وأعرب عن أمله في أن تبقى فرنسا على الحياد، قائلا بنشوة إن ما يرفع معنويات “الجيش الأزوادي” في موقع “فويتا”، هو انتصاره دون خسائر، إثر هجوم للجيش المالي على معسكرهم منذ فترة.

في كيدال، مخاوف من حرب وشيكة، يغذيها أن القوات الفرنسية غادرت المدينة، باستثناء 60 عسكريا بقوا للإشراف على مهمات خاصة، ولن يتمكنوا من الحيلولة دون مواجهة مسحلة بين الجيش المالي والمقاتلين الأزواديين، أو إيقافها في حالة اندلاعها.

أما قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام فقد باتت “منحازة” إلى جانب حكومة مالي، وفق بعض سكان المدينة، وعبر أحدهم بالقول إن بعض جنود القوات الأممية “يخلعون القبعات الزرقاء ويضعون الخضراء، ويرافقون الجيش المالي في مهماته الخاصة أحيانا”.

في حين تحظى القوات التشادية باحترام خاص، إذ ينظر لها العديد من سكان المنطقة بأنها “تحترم مهمتها”.

حادث وقع منذ ثلاثة أسابيع، زعزع ثقة السكان، بالقوات الأممية، حيث رافقت كتيبة إفريقية كتيبة أخرى من الجيش المالي في منطقة اغزراغن، وألقت الأخيرة القبض على  عدد من الطوارق، بعضهم مدنيون، وآخرون عناصر من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، سلموا أنفسهم، بعد محاصرتهم من طرف الجيش المالي ومرافقه الأممي.

ويقول بعض الشهود العيان، إن سيارة تابعة للحركة الوطنية لتحرير أزواد، هاجمت وحدة الجيش المالي من أجل “فك أسر” عناصرها والمدنيين المعتقلين، ففتح الجنود الماليون النار على المعتقلين المقيدين، على مرأى من القوات الأممية، قبل أن ينسحب الجميع،  من ساحة الاشتباك، الذي خلف ثلاثة قتلى، من بينهم مدني وعدد من الجرحى.

ومما زاد الطين بلة هو إشاعة انطلقت في كيدال، تفيد بأن جنديين أمميين قد قتلا، وهما يحاربان في صفوف الجيش المالي، لكن أي معلومات رسمية من طرف بعثة الأمم المتحدة، أو الحكومة المالية لم تؤكد أو تنفي ذلك.

وتفاقم الوضع، بعد مقتل نساء كن يتظاهرن سلمياً، عندما فتح الجيش المالي النار عليهن في كيدال، وكانت قوات الأمم المتحدة تشرف على تأمين تلك المظاهرات.

وتقول إحدى المشاركات في تلك المظاهرات إنه بعد أن رفضن مغادرة المطار، قال لهم ضابط من القوات الأممية “إما ان تغادروا، أو نستدعي الجيش المالي”، حسب قولها، مؤكدة أنه وبعد أن رفضن المغادرة اتصل الضابط الأممي الافريقي بوحدة تابعة للجيش المالي، أمام المتظاهرين “حيث حضر الجيش على الفور، وفتح النار علينا” حسب تعبيرها. وهو الأمر الذي أكدته عدد من المتظاهرات.

“كل هذا يجعل الأزواديين يقومون باستعدادات تامة، من أجل مواجهة مصيرية مع الجيش المالي” يقول أحد المقاتلين الطوارق، وهو يبدي حماسه للقتال، في منطقة تتصاعد فيها منذ سنوات روح الإستقلال والثورة.

جيش مالي يتأهب للقتال

تفيد المعلومات المتواترة بأن الجيش المالي يحشد قواته في منطقة ليرا التي تبعد 60 كلم من موقع فويتا قرب الحدود مع موريتانيا،  ويحشد أيضا في منطقة انفيف التي تبعد 120 كلم عن مدينة كيدال، حيث جرت آخر معركة بين الجيش المالي والقوات المالية، حقق فيها الماليون انتصاراً على قوات الحركة الوطنية، وهو ما مهد لقبول الحركة دخول القوات المالية لكيدال، بحسب عدد من المراقبين.

مراقبون مقربون من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، يعتبرون أن هذه التحركات هي مجرد “ضغط فرنسي على الحركة”، ويشيرون إلى تزامن ذلك مع وصول عدد كبير من قوات الشرطة المالية إلى كيدال جواً، وتوجهوا مباشرة إلى معسكر الجيش المالي.

كيدال..أصابع على الزناد

رغم عودة الحكومة المالية إلى كيدال، ممثلة في الجيش والوالي،  لكن الزائر لها لا يرى أي تغير يذكر.
على مشارف المدينة، ولحظة الوصول، يستوقفك جندي أسمر يرتدي قبعة زرقاء، تفيد بانه تابع للأمم المتحدة، يشير بالتوقف من بعيد، وأصبعه على زناد سلاحه الرشاش.  وإلى جانبه جندي آخر قد اتخذ وضعية قتالية، وهو يمسك بقاذف صواريخ “آر بي جي”.

إنها حالة تأهب أمني  قصوى، في أجواء مشحونة، والتوقعات قائمة ليلا ونهارا بهجوم، لا تعرف طبيعته ولا من سينفذه. “كل قادم هو إرهابي محتمل” يعلق أحد قاطني المدينة.

يأخذ الجندي الأوراق المطلوبة، ويتوجه صوب مركز قيادة نقطة التفتيش، وهو يسير بخطوات بطيئة بعد أن اطمأن أن لا “إرهابيين” في السيارة القادمة.

على ذراعه الأيمن شارة الأمم المتحدة، وعلى الأيسر علم السنغال..إنه يعيش هاجساً أمنيا، بسبب مقتل اثنين من رفاقه السنغاليين خلال الشهر الماضي، في هجوم على بنك حكومي محلي كانا يحرسانه.

في كيدال، كل شيء يوحي بالعودة القوية لنزعة الاستقلال.. فأعلام “الدولة ـ الحلم” للحركة الوطنية لتحرير ازواد، ترفف في كل الزوايا، وإلى جانبها شعارات رافضة لعودة حكومة باماكو.

لم يتغير الوضع وسط المدينة، منذ أشهر، ولا دوريات للحركة الأزوادية أو الجيش المالي، فكل منهما فضل التحصن في معسكراته، يجمعهما خوف كليهما من الآخر..وخوفهما المشترك في هجوم قد ينفذه تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في أي وقت.

حالة غضب

النزعة التي يحملها المقاتلون والقادة السياسيون للطوارق والعرب في أزواد، لا تقل عن تلك التي تملؤ وجدان الأطفال والنساء والشيوخ.
يخرج أطفال أزواديون من مدراسهم المتواضعة، وهم غير راضين عن حالتها، فهي تفتقر إلى أي امكانيات مادية، وتعتمد على تبرعات الأهالي، ويفترش طلابها الأرض، في فصول بنتيت من الطين، في أجواء الشتاء القارس.

نساء المنطقة أكثر حضورا من رجالها في أكثر من موقف، فقد تصدين للجيش المالي، واشتبكن مع جنوده بالأيدي أكثر من مرة، في تلاتايت، واغزراغن، وتين فاضماتا، و تجريرت، وكلها مناطق في ولاية غاو.

مشهد مثير يتكرر كل مرة، فأي من رجال المنطقة من العرب والطوارق ذكر اسم “دولة مالي” بما يوحي بالإشادة أو الانتماء، يتعرض لإساءة غير متوقعة من أقرب إمرأة إليه. ولا يسمح لهم في العرف المحلي السائد هنا، بذكر اسم دولة مالي إلا إذا كان تهديدا لها أو تنديدا.

العديد من النساء تعرضن لإصابات بالغة، بعد إطلاق النار عليهم، بسبب منعهن طائرة الوزير الأول الماي عمر تاتام من الهبوط في مطار كيدال، الشهر الماضي، وتسببت الإصابات في إعاقة دائمة لبعضهن. وكانت عدد من النسوة في المنطقة قد اعتقلن لأشهر في سجون أقامها الجيش المالي. وينظر إليهن بصفتهن “رموزللنضال”.

أما الشيوخ في المنطقة، فيجمع عدد منهم على اعتبار الوجود المالي “احتلالا”، وقال أحدهم “مالي استعمرتنا أكثر من خمسين عاما، ولم نر منها سوى المقابر الموجودة هنا”، ويضيف أن بعض ضحاياها قتل بالسلاح، وبعض آخر قتل بـ”التجويع”، حسب تعبيره. ويقول “إذا قدم أحدنا إلى السوق من أجل بيع شاة، فسوف يجد أمامه دركياً مالياً، يطلب نسبة الحكومة من ثمن البيع”.
ويضيف الشيخ في حالة غضب، “مالي لم تشيد لنا مدارس ولا مستشفيات، وحتى الماء الصالح للشرب لم توفره”.

مجهودات ذاتية..

مدارس بسيطة هنا وهناك، في كل المدن والقرى، تعتمد على المجهودات الذاتية لأبناء المنطقة، حيث توجد صناديق، يتبرع لها الأفراد، بحسب قدراتهم المالية. وتقدم هذه الصناديق رواتب رمزية للأساتذة المتطوعين.

لكن عددا من المناطق لا يوجد بها من لديه مستوى يخوله ليعمل مدرساً، ولا يسمح عدد السكان القليل، من توفير التبرعات الكافية، وبالتالي يلجأون إلى الكتاتيب القرآنية.
في حين أن بعض المناطق مستمرة في اعتماد المناهج الدراسية الفرنسية، وبعضها الآخر أضاف التعليم العربي مؤخرا.

وعلى مستوى الصحة، يعاني “أزواد”، من غياب شبه كامل للخدمات الصحية في غالبية المناطق، مع وجود بعض العيادات الخاصة التي تفتقر للمعدات والأدوية والمهارات، بينما توجد بعض المنظمات في المدن الكبرى، مثل الصليب الأحمر الدولي، وجمعية أطباء بلا حدود، إلا أنها لا توفر الرعاية والخدمات الصحية اللازمة.

في مدينة تيجررت الواقعة على بعد 200 كلم من كيدال، توجد عيادة في مبنى صغير، الدكتور الحسن آغ الآ وهو طبيب أخصائي جراحة عظام، كان يعمل في كبرى مستشفيات ليبيا، وعندما اشتعلت الحرب في ليبيا، وفي شمال مالي أيضا، استنجد به أقاربه، لانعدام الخدمات الصحية، فاختار العمل في موطنه الأصلي، وتقديم الخدمات الطبية الضرورية للأهالي.
أسس آغ الآ مع ممرض من القرية نفسها، عيادته المتواضعة، ودرب سبعة شباب وثمانية شابات للعمل مساعدين معه.

اليوم أصبح السكان الموجودين في مساحة مائتي كيلومتر مربع، يعتمدون على عيادة الدكتور الحسن آغ الآ، الذي ترك تخصصه ليعود إلى مزاولة الطب العام، الذي تحصل على شهادته قبل شهادة التخصص في الجراحة. وتحول الطبيب القادم من ليبيا إلى رمز يفتخر به أبناء قريته، ومثال للتضحية، يحظى بالاحترام.

 

ـ المصدر: صحراء ميديا

 

 

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن