أيهما قابل الرئيس ? / أحمد ولد الوديعة

بين السياسة – في أصولها – والمكر والكيد نسب ربما لايحتاج الكثير من الفطنة للعثور عليه في ثنايا كتب الفكر السياسي وبين سطور تجارب كبار الساسة، أما السياسة في تطبيقها المحلي أو” بلتيك” كما نسميها فتكاد تكون رديفة التحايل والكذب والخداع، وهي لذلك تعاني صعوبات جوهرية في الاندماج في مجالنا القيمي.

سبب التذكير  السابق ليس التمهيد لتقديم ملاحظات على فعلنا السياسي رغم أنه يحتاج الكثير من ذلك ونادرا ما ظفر به من مختصين، بل هو أمر طريف حصل معي خلال الأيام التي تلت تنظيم الشوط الأول من انتخابات23 من نوفمبر البلدية والبرلمانية، تلك الأيام التي عرفت حالة غير مسبوقة من الترقب لنتائج انتخابات يصفها المقاطعون لها بالمهزلة ويعتبرها الموالون تتويجا لنجاحات سياسية للسيد الرئيس الذي أكمل  تنفيذ برنامجه الانتخابي قبل نهاية المأمورية، في حين دخلها المعارضون المشاركون على مضض وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.

كان الأسبوع مشحونا جدا ومليئا بالنتائج والنتائج المعدلة والمتضاربة، وكانت الوقفات والاحتجاجات تغطي  جغرافيا الوطن من كوبني إلى ازويرات ومن سيليبابي إلى المذرذة، لكن يبدو أن وقت السيد الرئيس لم يكن على نفس النسق فقد كان الأسبوع فرصة له لمقابلة شخصيات عامة من أطياف عدة أتيح لي أن احصل من مصادر لايتطرق لها الشك على تفاصيل حول  بعض ما تطرق له الرئيس الجنرال مع محدثيه، ورغم أني أعرف ان السيد الرئيس يفهم السياسة بمعناها المحلي أكثر مما يفهمها بمعناها الأصلي لكني لم أكن اتوقع أن يصل” اتبلتيك السيد الرئيس المستوى الذي كشف لي عنه حديث الرجل مع محدثيه بمضمونين متناقضين عن قضية واحدة” هي قضية الانتخابات.

كان التناقض بين المضمونين كبيرا إلى الحد الذي لم أجد إمكانية للجمع مع أن خبراتي اللغوية والفقهية والسياسية والإعلامية المتواضعة تخولني تحقيق مستوى مقبول من النجاح  عادة في عمليات الجمع والتوفيق والتأويل، لكني فشلت واضطررت تحت الصدمة أن أنقل لكم مضمون الروايتين لنبحث سويا عن   الإجابة على السؤال  الأهم و هو أيهما التقى الرئيس حقيقة، هذا إن لم يوصلنا الشك ” البولتيكي” إلى التساؤل هل فيهما أصلا من لقي الرئيس، وهل الرئيس في القصر حاضر يتابع  و”يتبلتك” أم أننا في حالة فراغ رئاسي ربما ليست من النوع الذي بوبت علينا دساتيرنا حتى في نسخها الأحدث ” تبديلا”

قال الرئيس  لمحدثه الأول إن ” الانتخابات حدث مهم، وقد نظمت بنجاح، وكان هناك من لايريد لها أن تنظم لكنها في النهاية نظمت وحملت نتائج جيدة أهمها أنها ضمنت تجديدا واسعا للطبقة السياسية في حالة هي الاولى من نوعها منذ فترة، وهو أمر يمكن التعويل عليه في تطوير البلد وتطوير العملية السياسية فيه”.

قال الرئيس لمحدثه الثاني إن “الانتخابات مهزلة وفضيحة وأنها جديرة بالإلغاء، ولولا ما قد ينجر عن إلغاء شوطها الأول من مشكلات أمنية واجتماعية قد تهدد أمن وسكينة البلد لكنت – يقول الرئيس – أصدرت قرارا بإعلانها ” لاغية” باطلة عديمة الأثر “.

وتابع الرئيس يعدد الخروقات ومؤشرات فشل لجنة الانتخابات ويعبر عن اشمئزازه من الطريقة التي نظمت بها الانتخابات قبل أن يختم ”  أن الهيئات المنبثقة عن اقتراع الثالث والعشرين من نوفمبر ستكون هيئات مؤقتة  وسيتم حلها في أسرع وقت والذهاب لانتخابات مبكرة جدا لتصحيح ما حملته صناديق المهزلة من نتائج”

  هكذا تحدث الرئيس مع اثنين من أهم من قابلهم خلال الأسبوع التالي للانتخابات،  قال للأول إن الانتخابات  نجاح، ووصفها للثاني بالمهزلة، تحدث للأول عن الجهات التي لم تكن تريد لها أن تنظم، وحدث الثاني عن ضرورة مسح ما يترتب عليها من آثار في أقرب سانحة، بشر الأول أن نتائج الانتخابات تدل على تجديد الطبقة السياسية، وقال للثاني إنه لولا الخوف من الحرب الأهلية لألغى النتائج بقرار سيادي.

أرأيتم كم هو مشروع تساؤلنا، أيهما التقى الرئيس..؟

  ربما لو أتيح لنا أن نحصل على تفاصيل عن ضيوف آخرين “وجد الرئيس الوقت للحديث معهم لوجدنا روايات رئاسية أخرى لما حصل يوم الثالث والعشرين من نوفمبر، من قبيل أنه “كان نصرا مؤزرا للحزب الحاكم، وفشلا ذريعا لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية، يؤكد مصداقية مقاطعة المنسقية، ويدل على جدية أحزاب المعارضة المشاركة، يبرهن على تعلق الشعب بخيارات الحكومة وينذر باندلاع ثورة شعبية شاملة “.

   هذا هو رئيسكم أيها السادة  أيتها السيدات ، هذا هو رئيسكم الذي  تنشدون الوصول معه ومن خلاله لدولة القانون ورئاسة الفقراء وقيادة العمل الإسلامي، هذه هي نظرته لمن يقابل، هذه هي درجة استخفافه بنا يقول لكل منا ما يعتقد أنه يمكن أن يجعله يجاريه في سيره المتهور بنا نحو الهاوية،  سأطلب منكم ختاما إنصافه فقد جرب هذه المنهجية الاستخفافية مع أكثر من طرف منا ونجح في ذلك… نعم نجح في الأولى ونجح في الثانية وأوشك أن ينجح في الثالثة فلما ذا نتوقع منه العزوف والإقلاع عن هذا السلوك وهذه المقاربة وهو الذي يفهم السياسة بأكثر نسخها المحلية تجذرا ” وجمهورية ” حتى لا أقول انسلاخا من القيم.. اعذروه ولوموا أنفسكم.

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن