حربة وحشي في صدر مسيلمة

ِ

لن ينفع الاسلام المنتسبين اليه ما لم تكن لديهم قناعات فكرية راسخة تتحول الى عقيدة تدور عليها افعالهم؛ مكوناتها: الاعتقاد بالقلب والتصديق بالنطق والعمل بالجوارح.
لن ينفع نفس نطق أو فعل ما لم يسبقه الاعتقاد الصادق الراسخ، فالاسلام رسالة نور وهدى للبشرية جاءت “لتخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان الى عدل الاسلام” ولا بد لكل نفس تتصدى لتحمل هذه الرسالة من تأهيل نفسي خاص؛ فكان موضوع العقيدة هو أكبر موضوع تناوله القرآن فجاء كل ذلك القرآن المكي بأسلوبه القوي الذي يهز النفوس ويطرق العقول بالحجج والبراهين، ويقص قصص الصراع الأزلي بين أتباع العقيدة وخصومها فهم ما يزالوا ولن يزالوا في صراع لن تطوى صفحاته، بل هي كل يوم تزداد؛ تتنوع صفحات الباطل حسب الزمان والمكان والانسان، وتبقى صفحة الحق واحدة ثابتة لا تتغير ولا تحول، هي هي: تدمغ الباطل وتزهقه صالحة لكل زمان ومكان وانسان.
الاسلام لا يريد أتباعا لا فكر لهم ولا اعتقاد “يقولون هذا ما وجدنا عليه آباءنا”، فلن تنفع انسان عقيدة آخر ما لم يعتقدها، فكانت أحكام الله وأوامره اختبارا لعقائد الناس حتى يميز الخبيث من الطيب “فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين”، بل يذهب القرآن بعيدا ليضع قاعدة خالدة: “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟”
وتتنوع مظاهر الفتن والاختبارات فتظهر في كل زمن طامة تنزل بالمسلمين من خارجهم أو من داخلهم، وكلما ضعف المسلمين كلما تكاثرت عليهم الفتن وصاح بهم الباطل.
ولن تنجلي الفتن الا اذا اشعل أهل الحق مصابيح الهدى لتبين للناس الطريق في حالك ظلام الفتن.
ولن يفلح اهل الحق في ذلك الا اذا جلعوا الرحمة المهداة الى العالمين امامهم واتبعوا سبيله في الدعوة والارشاد فعاملوا الناس بالرحمة والرأفة لا بالكره والتعنيف، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم مثله ومثل الناس كمثل رجل قائم على نار ماسك بطرف ردائه يمنع الفراش أن يقع فيها، أو كمثل رجل شردت منه دابته فاجتمع الناس عليها ليردوها فما زادوها الا شرودا و نفورا، فقال: لو خليتم بيني وبين دابتي فأخذ من خشاش الأرض واقترب منها فدنت وبركت.
ومن هنا أود رد أفكار متداعية حاولت النيل من الجناب النبوي، وما أشد عماء بصيرة حاولت ذلك؛ وأمنيتي أن يعود صاحبها كما عاد “آرنولد فاندرون” فقد كان منصفا وعاقلا بعد أن أثار العالم بفيلم ينال من مقام النبوة عاد الى العقل والفطرة فعرف أن الحبيب صلى الله عليه وسلم اعظم انسان واكمل مخلوق فدخل دينه وآمن برسالته.
فمن القواعد التي أرساها الاسلام أنه جعل الناس كل الناس سواسية: كلهم لآدم وآدم من تراب لا فضل لهم بعرق ولا لون ولا صنعة. هذا هو المبدأ الذي رسخه القرآن وعمل به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده في القرون الأولى. فما عرف التاريخ البشري منهجا اجتماعيا اعدل من منهج الاسلام بشهادة الخصوم قبل الاتباع.
وقد تفاجأت بتصيد بعض ممن جرفته مناهج اثبتت اعوجاجها وانفصامها مواقف ظن ان فيها تمييزا أو ظلما من قبل أعدل الخلق وارحمهم. كنت قد قرأت ذلك الافك قبل حذفه وأذكر بعض الأمور التي وقع فيها لبس على كاتبه، ومنها:
اتهام ابي بكر الصديق بمحاباة قريش عشيرته الذين وقعوا في الأسر يوم بدر وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم له: ومن الكذب والبهتان أن يتهم الرجل الذي قاتل ابنه عبد الرحمن في نفس المعركة وكان حريص على قتله بأن يحابي في ذات الله، لكنها شخصية أبي بكر الرحيم الرقيق الذي لا يحب أن يقتل انسانا، خصوصا ان النصر قد تم، ثم اذا كانت المسألة مسألة آراء فقد كان رأي عمر شديدا في المسألة وأمر بقتلهم، ولم يعنفه صلى الله عليه وسلم، بل ان القرآن جاء بما كان يرى عمر رضى الله عنه.
القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم: أكرم هندا وعاتب وحشيا بعد اسلامهما لأنها قرشية ولأنه حبشي: وهذا افك مبين لا نسلمه، مع أن النظر الى الواقع يقول بأن هندا في تآمرها على قتل حمزة كانت منتقمة لأبيها وعمها وأخيها، ووحشي كان حينها مجرد قاتل مأجور لا يحركه ثأر ولا معتقد، وما أدراك أنه صلى الله عليه وسلم أكرم هند، فقوله لوحشي جنبني وجهك، غير وارد في هند فهي امرأة يعلم أنها لن تتعرض له كما يتعرض له الرجال وتلقاه كلقائهم. ولو كان الامر كما تزعم لما بلغ بلال رضي الله عنه ما بلغ من قرب النبي صلى عليه وسلم وحب وتقدير المسلمين وهو حبشي مثله فقد جاء بنو البُكير من بني ليث من قبيلة كنانة إلى رسول الله فقالوا: ” زوِّج أختنا فلاناً “، فقال لهم: ” أين أنتم عن بلال؟ “، ثم جاؤوا مرّة أخرى فقالوا: ” يا رسول الله أنكِح أختنا فلاناً “، فقال لهم: ” أين أنتم عن بلال؟ “، ثم جاؤوا الثالثة فقالوا: ” أنكِح أختنا فلاناً “، فقال: ” أين أنتم عن بلال؟ أين أنتم عن رجل من أهل الجنة؟ “، فأنكحوهُ.
وأتى النبي امرأة بلال فسلّم وقال: “‘ أثمَّ بلال؟ ” فقالت: ” لا “، قال: ” فلعلّك غَضْبَى على بلال! “، قالت: ” إنه يجيئني كثيراً فيقول: قال رسول الله، قال رسول الله “، فقال لها رسول الله: ” ما حدّثك عني بلالٌ فقد صَدَقكِ بلالٌ، بلالٌ لا يكذب، لا تُغْضِبي بلالاً فلا يُقبل منكِ عملٌ ما أغضبتِ بلالا”
ولو كان ثمة تمييز على أساس المكانة لما قال عمر بن الخطاب بعد أن طعن في شأن الخلافة: “لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى” وسالم من الموالي، هكذا فهم المسلمون مراد الله ونهج رسول الله صلى عليه وسلم فلا مانع عندهم من أن يجعلوا مولى خليفة للمسلمين.
والمقارنة بين سيف الله خالد رضي الله عنه ووحشي رضي الله عنه: غير واردة فخالد نالها بأسبقيته على وحشي في الاسلام وبالجهاد، وهو لقب لم ينله غيره من بني هاشم، ووحشي حين قتل مسيلمة شكر المسلمون له ذلك وأكبروه عليه.
أما القول: بأن العفو عن قريش في فتح مكة، وعقاب بني قريظة كان باعثه تمييز على أساس القربى فباطل أيضا، فأهل مكة حسب التعبير المعاصر “أسرى حرب”، أما بنو قريظة، فهم خونة الخيانة العظمى فقد دخلوا في ميثاق وحلف، والعقوبة التي طبقت فيهم هي عقوبتهم حسب شريعتهم، والرواية الصحيحة أنه لم يقتل منهم الا المقاتلة فقط، وما هي الا أيام حتى حرروا وأكرموا.
أما دعوى التمييز في اطلاق سراح زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثت بقلادة لخديجة فرق النبي صلى الله عليه وسلم لها وطلب من المسلمين أن يطلقوه لها ان وافقوا ففعلوا فيستلزم من صحة ذلك أن يكون أحد من المسلمين طلب أن يطلق له حد الأسرى ولم يوافق صلى الله عليه وسلم: وهو القائل بأن المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
وفي الختام ان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم وأجل من ان ينال منه مقال، أو كتاب فأتباع مدرسة أبي جهل وعبد الله ابن ابي لم يخلوا منهم زمن ولكنهم فنوا وفني ذكرهم وبقي اسم الحبيب صلى الله عليه وسلم تصدح به الدنيا كلها.
وفي العقد الاخير شن الفكر الغربي حملة سوء على نبي الرحمة فكانت نتيجتها أن دخل كثير من أبناء الغرب أنفسهم في الاسلام ومنهم من كان قائدا لتلكم الحملة وكان ذلك فتحا مبينا.
اني لأشعر بالشفقة على من تربى في أرض الاسلام ولما يدرك بعد تلك العظمة التي حواها قلب ذلك الانسان العظيم الرقيق الرحيم، الذي كادت نفسه تذهب حسرات على بني الانسانية المكذبين له.
ان لواء الحق سيبقى مرفوعا وسيقى عميان البصيرة يحاولون النيل منه لن يخلو منهم زمان، وسيتم الله نوره ولو كره الكافرون.

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن