رسالة إلى جراثيم الصحافة وفيروسات الإعلام

كنت أعرف وأسمع عن بعض الصحافة الورقية والمواقع الالكترونية التي تتخذ من التسول مهنة والإعلام وسيلة تستبز بها السياسيين ورجال الأعمال، لكني لم أكن أتوقع أن أخلاقها تنحدر إلى الدرك الأسفل، حتى جاءني رجل خمسيني -إبان الحملة الانتخابية- شاحب الوجه ناتئ الجبهة حاد القسمات، أصلع أشعث أغبر أدرَد، قد تآكلت أسنانه، وكثر ريقه ومُخاطه، وهو كريه المنظر لما فيه من العُجَر والبُجَر، لا يَسرُ الناظر ولا يثلج الخاطر، من شدة البؤس والشقاء البادي عليه من ضنك المعيشة ووعثاء السفر، حتى ذكرني حاله بحال أهل النار يوم القيامة (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ).

ظننته مخبولا، لا يتمتع بقواه العقلية، لكنه فاجأني بأن قدم نفسه باعتباره المدير الناشر لموقع كذا (…) وبما أن الله لم يُعطه فصل الخطاب ولا سحر البيان، فقد كانت ألفاظه متلعثمة ومعانيها ملتوية! لكنني فهت منها ما معناه أنه يطلب مني أن ألتمس له الحصول على دعاية معوضة على صحيفته، لصالح المرشح الذي أنا مسؤول الإعلام في حملته.

قلت له لن أدخر جهدا في سبيل منفعتك، لكني لا أملك من الأمر شيئا، فالقرار يعود إلى المرشح فإن وافق فبها ونعمَ، وإن لم يوافق، فعلى المرء أن يسعى ويبذل جهده… فلما أوصلت الرسالة إلى المعني رفض الأمر بشكل قاطع، قائلا إن موارده محدودة وقد أنفق منها ما يكفي في الدعاية، مشيرا إلى أن المَوقع المذكور مجهول الهُوية والأصول، ولا يعرفه أحد ولا يطالعه بشر.

عدت إلى الصحفي البائس وأنا حزين -لأني لم أجد ما يثلج صدره ويريح باله- وقلت له لم أنجح في المهمة مع الأسف، ولكن هذه مساعدة مني قدرها 10000 علها تساعدك في ترحالك وتجوالك داخل المدينة، فرد علي بتشنج لن أقبل منك هدية متواضعة كهذه! فقلت له هذا جهد المُقل، لكن الهدية تحتاج إلى من يستحقها! وأنت لا تطلب عليّ ديْنا، وليس لك عليّ فضل يذكر ولا مِنة تشكر، ثم رددت النقود لجيبي، فلما رأى ما فعلت، بدأ يتهافت في المعذرة ويناشدني العودة عن قراري! فشفني حاله وهالني جشعه وحيرني أمره، حتى رددتها إليه، ثم دعوته إلى مائدة الغداء فإذا به يأكل بشره لا يليق بالنخبة وأصحاب “السلطة الرابعة” ثم خرج من عندي لست آسفا على فراقه ولا متشوقا لرؤيته.

قمت بعد ذلك بتصفح الموقع المذكور، -الذي لم أكد أراه إلا بعد وقت طويل وجهد عسير لبطء التقاطه- فإذا به يطرح استطلاعا للرأي يريد أن يعرف من خلاله تقييم القراء لأدائه ونظرتهم له، وكان السؤال على النحو التالي:

هل الموقع ممتاز، أم جيد، أم رديء؟ فكانت إجابتي أنه رديء، فلما نظرت في خانة النتائج رأيت أن 60% يوافقونني الرأي، فكان ذلك موقفي وموقف القراء من موقع (….)!؟

وظل هذا النوع من الصحافة يتعاقب عليّ كتعاقب الليل والنهار، حيث جاءني صحفيُ آخر وأمسك بيدي وطلب مني أن أتنحَى معه جانبا وأخذ يقتادني حتى انزوى بي بعيدا، ثم سألني عما إذا كان عندي شيء يتعلق بدعم الصحافة! فالتفت إليه في استغراب ودهشة، وقلت له لعلك أخطأت هدفك؟ ما ذا تظن أنّي أكون؟ أنا لست الوزارة الوصية على الإعلام، ولا الصندوق الوطني لدعم الصحافة، كما أنني لست السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية…

وعليه فإنني أوجه رسالة عاجلة للمُمتهنين “للسلطة الرابعة” أن يُنقوا حقلهم من جراثيم الصحافة وفيروسات الإعلام، (وهذا بلاغ للناس ولينذروا به) أن “من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسال جمرا فليستقلل أو ليستكثر” حديث صحيح.

بقلم/ سيدي ولد أحمد مولود

.

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن