مانديلا البطل/ عبدالباري عطوان

تلقيت نبأ وفاة نيلسون مانديلا بحزن كبير، فقد كان النموذج والقدوة، كان زعيم كل الزعماء، وزعيم فوق كل الزعماء شأنا وقدرا ومدرسة نضالية ستقتدي بها جميع الاجيال القادمة لقرون

لم ار مانديلا قاطب الحاجبين، حتى وهو خلف القضبان، فقد رأيته مبتسما دائما، ينثر قيم التسامح مرفوقة بالعزة والكرامة في اي مكان يحل فيه، ويؤكد على العدالة والمساواة في جميع خطاباته ولقاءاته مع الزعماء والفقراء، مع البيض والسود على حد سواء

بعد اقل من عام من خروجه من سجنه جاء الى لندن عام 1991، وذهبت لمقابلته في اطار وفد فلسطين لتقديم التهنئة له، واظهار اعجابنا به وثورة شعبه المشرفة وافتخارنا بانتصاره على النظام العنصري، وكانت الى جانبه زوجته الجميلة ويني كانت لحظة مهيبة عندما دخل الى المطعم الذي كنا ننتظره فيهMay Fair Hotel

طويلا.. نحيلا.. منتصبا كالرمح، والابتسامة العريضة مرسومة على وجهه، كان عناقا حارا من زعيم في قمة تواضعه إلى مجموعة من البسطاء العاديين ينتمون إلى شعب مضطهد يواجه أبشع أنواع العنصرية والتمييز من نظام كان من ابرز المساندين والداعمين لنظيره الجنوب إفريقي

مانديلا العظيم الذي لم يتزعزع إيمانه لحظه، وهو خلف القضبان لأكثر من 27 عاما، بان النظام العنصري اضعف من أن يستمر، وان استقلال بلاده وشعبه قادم لا محالة، قال لنا إن الدولة الفلسطينية قادمة، والانتصار حتمي وسيراه في حياته، ولكن هذه النبوءة، من هذا الرجل الحكيم لم تتحقق وربما هي الوحيدة التي لم تتحقق، وهذا ليس ذنبه وإنما ذنبنا كشعب وأمة على أي حال، وهذا ليس مكان شرح الأسباب

العلاقة بين مانديلا والشعب الفلسطيني كانت علاقة دم ومصير وتاريخ نضالي، ووصلت ذروتها بعد خروجه من السجن، ولا أبالغ إذا قلت انه لم يحب زعيم غير عربي فلسطين وشعبها أكثر منه

الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان صديقا حميما لمانديلا همس في أذني في يوم من الأيام بان منظمة التحرير الفلسطينية ساعدت منظمة المؤتمر الوطني الإفريقي ماليا وعسكريا، وأكد لي أنها تولت تسديد نفقات علاج زعيمها المؤقت اوليفر تامبو نائب مانديلا في احد مستشفيات لندن في الثمانينات، وقد رد الزعيم مانديلا هذا الجميل بمنح منظمة التحرير أرضا وسفارة في جوهانسبرغ، وتولى دفع مرتبات جميع طاقمها من ميزانية بلاده واستمرت هذه السنّة، حتى بعد استقالته

في العام 1997 حين تولى الحكم لثلاث سنوات، وضع مانديلا القضية الفلسطينية على قمة أولوياته وأعلن للعالم اجمع “أن حريتنا لن تكتمل بدون حرية الشعب الفلسطيني” وقال للصحافي البريطاني الشهير جون بلغر “العدالة للفلسطينيين هي اكبر قضية أخلاقية في عصرنا الحديث، وتسلط الأضواء على أوجه التشابه بين النظام العنصري الجنوب إفريقي ونظيره الاسرائيلي الذي يمارس كل أشكال التمييز العنصري ضد الفلسطينيين

عندما فرّ دينيس غولدبيرغ زميل مانديلا اليهودي في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) من ربقة النظام العنصري بعد 22 عاما في السجن، طلب اللجوء في اسرائيل، ولكنه عندما شاهد ممارسات نظامها العنصرية ضد الشعب الفلسطيني المشابهة لممارسات النظام، قرر المغادرة إلى لندن، ولم تطل إقامته إلا لبضعة أشهر في تل ابيب

مونديلي باخايانا رئيس صحيفة “صنداي تايمز” الجنوب افريقية كتب بعد عودته من زيارة لتل ابيب، لا احد يمكن ان يتصور حجم الشر الشيطاني الذي رأيناه في اسرائيل، إن مستويات التمييز العنصري والاضطهاد الذي يمارس ضد الفلسطينيين اسوأ مما عايشناه في أسوأ فترات العنصرية في جنوب افريقيا.. أنا لا اعتقد أن الاسرائيليين ينظرون إلى الفلسطينيين كبشر على الاطلاق

تحت حكم الرئيس مانديلا قطعت جنوب افريقيا جميع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع اسرائيل، فهذا الزعيم الخالد في أذهان البشرية جمعاء، يملك شجاعة ورجولة لم يملكها معظم، إن لم يكن، كل الزعماء العرب الذي يرى بعضهم في اسرائيل حليفا هذه الأيام، ويصفقون لشمعون بيريس رئيسها وهو يخاطب مؤتمرهم الخليجي، بل وان أعلامها ترتفع عاليا على صواري سفاراتها في أكثر من عاصمة عربية حتى الآن

في عام 1997، عندما كانت ليبيا معمر القذافي تحت حصار ظالم، وحظر طيران جوي، طار مانديلا في طائرة عمودية إلى رأس جدير المدينة الحدودية، واخذ السيارة إلى طرابلس للقاء صديقه معمر القذافي الذي كان من ابرز الداعمين لثورته، وتحول إلى رسول لمطالبة الغرب بمحاكمة عبد الباسط المقراحي وزميله الأمين خليفة فحيمة المتهمين في جريمة لوكربي بالمثول أمام محكمة محايدة، ومن المفارقة أن مانديلا نفسه كان متهما، وهو تحت الإقامة الجبرية، بمحاولة تفجير طائرة الرئيس بيك بوذا

ومن المفارقة أيضا أن مانديلا كان أول من تحدى حظر الطيران المفروض على ليبيا وحط طائرته مع مجموعة من القادة الافارقة في مطار طرابلس لاحقا، وهي خطوة لم يقدم عليها أي زعيم عربي، وقادت لاحقا إلى إنهاء هذا الحظر

ويعتبر مانديلا أكثر زعماء العالم معارضة للحرب على العراق عام 2003 مؤكدا أن هدف “آل بوش” من هذه الحرب هو السيطرة على نفط العراق، واتصل بتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا لإقناعه بعدم الاشتراك مع امريكا في هذه الحرب، وعندما رفض أغلق سماعة الهاتف في وجه

مَن من زعماء العالم يملكون شجاعة هذا الرجل وإخلاصه للقضايا الإنسانية، ومساندته للشعوب المقهورة، وانحيازه للفقراء والمضطهدين، ودون أي مصلحة وطنية أو شخصية؟

كم نملك أو نعرف من الزعماء العرب بل والأجانب، الذي يضحي بكرسي الحكم بعد ثلاث سنوات فقط طواعية، وعلى عكس مطالب شعبه، بعد أن حقق المصالحة الوطنية، وكرس قيم العدالة والتسامح، ووضع بلاده على طريق التنمية بعيدا عن كل ثأر ونزعة انتقامية؟

علينا، وجميع شعوب العالم مثلنا، أن نتعلم من أكاديمية هذا الرجل النضالية التي تجمع بين قيمتين أساسيتين: قيمة المقاومة، وقيمة التسامح، بحيث تسيران جنبا إلى جنب، يدا بيد، حتى الوصول إلى هدف التحرر والاستقلال

مانديلا هو الأب المعلم لكل أحرار العالم، الرجل الذي أقام دولة جنوب افريقيا الحديثة، حيث يعيش الظالمين والمظلومين، الأعداء وضحاياهم، تحت سقف واحد، في ظل قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون، والمظلة الديمقراطية

نيلسون مانديلا سيظل يحتل مكانة كبيرة جدا في عقول وقلوب جميع الشعوب المضطهدة في العالم، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، كبطل، وحامل لمشعل المقاومة والتحرر، ومبادئ العزة والكرامة

في مثل هذا الزمن الذي تواجه فيه الأمة العربية مخططات التمزيق والتفتيت والفتنة الطائفية البغيضة والمدمرة، وأعمال القتل والذبح، يجب أن نتذكر دائما كلمات مانديلا التي أطلقها يوم الإفراج عنه عام 1990 “مسيرتنا نحو الحرية لا يمكن إعادتها إلى الوراء، لا يجب علينا مطلقا أن نسمح للخوف أن يقف حجر عثرة في طريقنا

وما يحز في نفسي حنقا وغضبا أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أعلن الحداد يوما واحدا في الأراضي الفلسطينية حزنا على مانديلا، إنه أمر مؤسف، وسوء تقدير وقصر نظر، ولو كان الرئيس عباس يعطي هذا الرجل حق قدره، ويعرف مدى حبه ودعمه للشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة لأعلن الحداد شهرا على الأقل، ولكن عباس يصر دائما على خذلاننا وإهانتنا في المناسبات التاريخية كهذه

عبد الباري عطوان

.

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن