ميزان القوى في المنطقة لن يتضح قبل سنوات / وضاح خنفر

من الواضح أن الوقت قد حان كي يفكر أهل المنطقة بنموذج استراتيجي جديد قائم على الحقائق الجغرافية والتاريخية ويحقق الإستقرار والأمن لجميع الدول في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ليس مستحيلا. فالتمازج الديمغرافي بين شعوب المنطقة، والمصالح الإقتصادية المتبادلة والذاكرة التاريخية العميقة

قد تكون أرضية مناسبة لهذا المشروع.
أدى الربيع العربي الذي بدأ قبل ثلاثة أعوام، إلى إنهاء حالة الجمود السياسي في العالم العربي، وفتح الباب أمام عملية تغيير. وأثبتت الأحداث صعوبة تلك العملية، ذلك أن أثرها لم يكن منحصرا فقط في الدول التي شهدت الثورات، ولكنه أثرعلى كل دول المنطقة، لأنها هزت بنية العلاقات الإقليمية.
فقد أثر الربيع العربي على بنية المحاور التي سادت الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين، أي معسكر الإعتدال الذي تراجع بسقوط نظام حسني مبارك في مصر الذي تحالف مع السعودية،وكان قريبا من الغرب. أما المحور الثاني فقد كان محور الممانعة الذي انهار مع بداية الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، حليف إيران الأقوى في المنطقة.
ومع انهيار نظام المحاور، دخلت المنطقة في حالة من عدم الاستقرار، وظهر فيها لاعبون جددا، بدء من حركات الإسلام السياسي،إلى جانب تزايد التأثير التركي.
على المستوى السياسي، وفي الوقت الذي كانت حالة الارتباك تسود المنطقة، تأثرت السياسة الأمريكية والأوروبية وبدت مترددة وقلقة. وانعكس ذلك بوضوح في موقفها تجاه الثورة السورية، والتردد في دعم المقاتلين السوريين (بالسلاح).
وفي نفس الوقت استفادت روسيا من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وكانت قادرة على تطوير سياسة أكثر وضوحا وانسجاما ودعمت نظام الأسد في كل شيء، وكذلك منعت إصدار قرارات دولية تشجب النظام السوري. وأكثر من هذا فقد كانت قادرة على تجنب الضربة الأمريكية على دمشق من خلال تسويق موافقة سورية على نزاع أسلحتها الكيماوية. وبدت روسيا بعد هذه المناورة السياسية وكأنها أكثر تأثيرا وأبعد نظرا من سياسات الغرب.
علاوة على ذلك، فقد شهدت الأشهر الأخيرة من عام 2013 تغيرات إستراتيجية أخرى، حيث دفع الانقلاب العسكري في مصر ضد الرئيس المنتخب ديمقراطيا المنطقة باتجاه تجزئة أكبر. وأظهرت الأشهر الخمسة الأخيرة أن مصر لم تتوقف عند حد الانقلاب، بل تسير في مسار التفكك السياسي والتدهور الاقتصادي.
وباعتبار مصر من أكبر الدول العربية وأهمها تأثيرا، فتداعيات الإضطرابات ستستمر في تعويق المسار نحو التغيير في الفترة المقبلة، هذا بالطبع إن لم تتحول الأحداث في مصر وتصبح أكثر دموية وعنفا.
ومع ذلك، فلن يتم التعرف على التغير في ميزان القوى الإستراتيجي في الشرق الأوسط بوضوح إلا في السنوات المقبلة، وذلك في حال تجاوز الولايات المتحدة وإيران خلافاتهما حول القضايا الرئيسية، وأهمها الموضوع النووي وعلاقة إيران بإسرائيل.
حتى الآن تبدو المفاوضات بين الطرفين مدعاة للتفاؤل، فيما تعيش دول المنطقة مرحلة من أكثر المراحل قلقا، ذلك أنه تم ربط تزايد التأثير الإيراني بالانسحاب الجزئي وتراجع في التأثير الأمريكي، وهذا ما يثير قلقا في العواصم العربية. وحتى يتم رسم الخريطة الجديدة وتتضح معالمها فيجب قراءة كل أفعال دول المنطقة من خلال منظور القلق والخوف.
ولا بد من التذكير بأن مشكلة الشرق الأوسط، ومنذ الحرب العالمية الأولى نبعت من استمرار اعتماده على القوات الأجنبية، ولم يكن والحالة هذه قادرا على بناء ميزان قوىً إقليمي يقوم على اعتبار مصالح دول المنطقة نفسها.
وعليه فقد كانت أحداث العقد الماضي انعكاسا لمصالح القوى العظمى وتعبيرا عن ميزان السياسة العالمية. وأثبتت السنوات الأخيرة أن اعتماد الشرق الأوسط على القوى الدولية لم يعد مجديا.
ومن الواضح أن الوقت قد حان كي يفكر أهل المنطقة بنموذج إستراتيجي جديد قائم على الحقائق الجغرافية والتاريخية ويحقق الإستقرار والأمن لجميع الدول في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ليس مستحيلا. فالتمازج الديمغرافي بين شعوب المنطقة، والمصالح الإقتصادية المتبادلة والذاكرة التاريخية العميقة قد تكون أرضية مناسبة لهذا المشروع.

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن