"واجعل لي وزيرا من أهلي"… أوفى عبدالله أوفى

بعد التلميحات الأخيرة لسيادة الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله ، بإمكانية تشكيل حكومة جديدة وفق معايير مختلفة عن معايير حكومة “التكنوقراط” ـ إذا جاز لها أن تسمى بذلك الاسم ـ الحالية ، التي ـ وحسب رأي الكثيرين ـ لم تنجح في مهامها الموكلة لها من طرف رئيس الجمهورية ، بدأ حراك سياسي وقبلي محموم للبحث عن نصيب من كعكة الحكومة المقبلة ، فأصبح لسان حال كل التجمعات القبلية ، والسياسية ، والجهوية … يدعو في السر والعلانية قائلا : “واجعل لي وزيرا من أهلي” ، متناسين أن هذا الدعاء كان من كليم الله موسى ، لأخيه هارون ، وأن شتان ما بين من رشحوه للوزارة ، وبين هارون عليه السلام ، فالدوافع التي لأجلها دعا موسى عليه السلام ، ربه ، هي قوله : “هو أفصح مني لسانا” ، وفي مكان آخر : “كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا” ، وأننا اليوم بالكاد نجد هذه الميزات في مرشحينا الحاليين لشغل منصب الوزارة ، إذا ما حدثت المعجزة وتم التعديل الذي طال انتظاره.
ففصاحة اللسان عملة نادرة ، قلما تجد منها ورقة واحدة في سوق مسئولي الدولة ، وكأن المعيار الأساس للتعيين في الدولة هو العي والخرس وتكسير اللغة .
فالعار كل العار أن يقف مسئول برتبة وزير ليتحدث أمام جم غفير من النخبة المثقفة ، ثم لا يكاد يبين ، هلا حضر خطابه وكرره مئات المرات ، لتتسنى له قراءته وفق أبسط الضوابط اللغوية المتعارف عليها ، ثم أزعج بعض مستشاريه ـ الذين لا يستشيرهم إلا قليلا ـ بتصحيح ذلك الخطاب لغة ونطقا وإلقاء ومنطقا ، ثم هلا ترك الكثير من اللغط الذي لا طائل من ورائه ، للناطق الرسمي باسم وزاراته ، ويكفى المؤمنين شر الاستماع لما يسوؤهم من لغة ركيكة وأسلوب هش ومنطق متهالك .
فقول موسى عليه السلام : “كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا” ، أبدلناه اليوم ب كي نعصيك كثيرا وننساك كثيرا ، فترى الليلة الأولى لتعيين المسئول منا ، تتهافت عليه النصائح والتوجيهات والحكم الشعبية ، بأنك في هذا المقعد لست من المنظرين ، ومن تولى مسئولية فعليه مذاقها ، ثم بلعها بشعرها ، وعليك بتعيين أقاربك وأصدقائك ، وعليك بفتح حساب خاص بك في سويسرا وتأمين مستقبلك ، واجعل كل مقاولي وزارتك من زمرتك المقربة …إلى آخر ذلك من النصائح والحكم البيظانية ، التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الثقافة الشعبية الموريتانية .
كنا قديما في العهد الاستثنائي نرى كل يوم تعيينا وزاريا أو إداريا ، وكنا جميعا نجهل الأسباب التي دعت فخامة الرئيس أنذاك ، لتعيين هذا الشخص أو ذاك ، رغم علمنا أن القبيلة والولاء الحزبي ، والدعم من اللوبيات المتنفذة ، وأشياء أخرى ، لا يعلمها إلا الله والراسخون في الحكم ، أمور لا بد من توفرها ، ليصبح من كان نكرة سياسية واجتماعية وقبلية ، معرفة ، لا يجرؤ أي كائن ـ من كان ـ على إنكارها ، أو تجاهلها ، أما في واقعنا السياسي الحالي وربما المستقبلي ، إذا ما سرنا على نفس النهج الحالي ، فكل سياسي وتكنوقراطي وطفيلي ورياضي وصحفي … هو مشروع لوزير مع وقف التنفيذ ، لذلك لم يبقى هذه الأيام أي أحد مهما كانت مؤهلاته العلمية ، أو سيرته الذاتية ، أو انتماؤه الحزبي ، إلا ويطمع في أن تقع قرعة الوزارة الفلانية عليه ، أو تكون هبة الإدارة العلانية من نصيبه، ضاعت هيبة الوزارة ، وهزلت حتى سامها كل مفلس.
غريب أمر هذه الثقافة الدخيلة على شعبنا المسلم التقي النقي ، والتي تقضي أبسط مفرداتها ، بالضغط على المسئول المعين حديثا ، من طرف أقرب الناس إليه ، ليخالف كل أبجديات النظم المعمول بها حتى في الدول التي لا تدين بشيء ، فتراه في أول أيامه ، لا هم له سوى الوساطة لقريبه الذي لا يمتلك أي مؤهلات مهنية ولا علمية ، والبحث عن حجج لإلغاء كل العقود التي سبقته مع مختلف الموردين ليتم استبدالهم بالزوج أو الأخ أو الأخت ، ناهيك عن أبنائه وبناته ، وليت خدمة هؤلاء كانت أفضل من سابقيهم ، إذا لكان التغيير له ما يبرره ، ولأمكننا أن نلتمس لهذا المسئول أحسن المخارج ، لكن هيهات هيهات ، فالمسألة ليست سوى سطو ممنهج ومعقلن ، وعملا بمواد قانونية صريحة ، تعفي صاحبها من كل تبعات قضائية ، قد يحاول أيا كان ، بناء عليها ، رفع دعاوى قانونية ضده.
لسنا اليوم بحاجة إلى تغيير الحكومة بقدر ما نحن بحاجة لوجود ضوابط ومعايير واضحة وصريحة توضع مسبقا ليتم من خلالها اختيار الطاقم الوزاري ، الذي يحس المواطن تجاهه بالثقة والاحترام ، فأين هي تلك المعايير والضوابط ؟
ليس بالشهادات وحدها تدار الوزارات ، يا مثقفينا ، وليس بالحنكة السياسية والتنظير الحزبي ، وحدهما تدار الأمم يا ساستنا ، وليس بالطعن في السن ، ومشيخة القبيلة ، تسير الأمور يا زعماءنا القبليين .
فما نحن بحاجة له اليوم هو البحث عن الرجل المناسب ليوضع في المكان المناسب ، حتى وإن كان لا يرغب فيه أصلا ، فالأمانة ، والماضي النظيف والكفاءة العلمية والمهنية وحسن السمت والصيت ، كلها أمور لا غنى للمسئول الرفيع عنها .
أما وأن تظل الوزارة مجرد شركة للإنتاج تكتشف الوجوه الجديدة التي لم يسمع بها أحد قط ، ولم يرها، وتضع مقدراتها المادية الضخمة تحت إمرتها ، وهي تعلم مسبقا بأن تلك الوجوه لا تصلح حتى لأن تجعل على الغلاف الخارجي للمنتج ، فهذا ما لا يتوقع خير لأهله مهما كانت نياتهم.
ولكي لا أتهم بأني أنظر لوزراء من مملكة أفلاطون الفاضلة فإني بناء على الطريقة الرائعة والفريدة من نوعها في بلدنا ، والتي تم عن طريقها تعيين رئيس جامعة نواكشوط ، فإني أقترح التالي:
ـ تشكيل لجنة عليا للتزكية تضم رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب ورئيس المحكمة العليا ورئيس المجلس الدستوري ورؤساء الأحزاب وممثلين عن المجتمع المدني ، يعهد لهذه اللجنة بالتشاور حول الأسماء المقترحة لشغل منصب وزير، أو أمين عام ، أو مدير مؤسسة كبيرة ، أو مفتش عام للدولة.
ـ أن يكون التشاور والانتخاب هما المرجحان ، لحسم الخلافات التي قد تحدث بين أعضاء اللجنة العليا للتزكية ، حول بعض الشخصيات المقترحة.
ـ بعد أن تتم تزكية المرشحين وفق معايير الأمانة والنزاهة والمهنية و الكفاءة العلمية ، يتم رفع اللائحة المتحصل عليها إلى رئيس الجمهورية ، لتكون التشكيلة الوزارية بأكملها من تلك اللائحة ، على أن تترك لرئيس الجمهورية صلاحياته كاملة في اتخاذ القرار المناسب.
بذلك فقط تستعيد الوزارة هيبتها ، ويقطع الطريق أمام زمرة الفساد التي ظلت لحقب متتالية تلعب بخيرات هذا الشعب البائس المسكين .

ورغم أني لست من الذين يتوقعون أن يحدث تغيير وزاري وشيك ، وحتى وإن وقع ، فلن يكون سوى تغيير أشخاص وليس تغيير سياسات فإني أرجو من رئاستنا الموقرة ، أن تضع لنا ـ على الأقل ـ المعايير التي ستنتهجها هي ، في التعيين الوزاري الوشيك ، ومهما كانت تلك الضوابط والمعايير ، فإننا على الأقل سنستطيع فهم الأسباب التي عين لأجلها فلان ، والضوابط التي لأجلها أقصي علان من وزارة حكومة الوقت بدل الضائع ، التي ينتظرها عمل سابقتها ، وربما تنتظرها لاحقتها لتقوم هي الأخرى بعملها .
أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
awvaabdl@yahoo.fr

أترك تعليق

Protected by WP Anti Spam

فيسبوك

M..* جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن